"دينا وفتحي".. يتيمان يواجهان المرض وحدهما في غزةخان يونس – سبأ: في غرفةٍ ضيقة داخل مستشفى ناصر، ترابط أمٌّ أنهكها الانتظار بين سريرين صغيرين، تحدّق في جسدين بريئين يذويان يومًا بعد يوم، وتخشى أن تفقد آخر ما تبقّى لها من الحياة. دينا (3 أعوام) وفتحي (4 أعوام)، طفلان يتيمان، يخوضان معركة قاسية مع مرضٍ غامض، في وقتٍ فقدا فيه والدهما شهيدًا، وفقدت غزة قدرتها على إنقاذ مرضاها. لم تكن حياة الطفلين مختلفة عن غيرهما من أطفال غزة قبل الحرب؛ كان نموهما طبيعيًا، ولم يعانيا من أي مشكلات صحية. لكن كل شيء تغيّر بعد النزوح من رفح، واستشهاد والدهما، لتبدأ رحلة الألم التي لا تزال مستمرة. تروي والدتهما، نفين كساب، لـ " فلسطين أون لاين"، أن أولى علامات المرض ظهرت على فتحي عندما بلغ عامه الثاني، حيث بدأ وضعه الصحي يتدهور بشكل مفاجئ. فقد السيطرة على حركة عينيه، وبدأت بؤبؤاه تتحركان لا إراديًا، ثم فقد توازنه أثناء المشي، ليعود إلى الزحف على يديه، قبل أن يعجز حتى عن ذلك، ويقضي معظم وقته جالسًا. تقول الأم: "كان يميل بجسده أثناء الجلوس، ثم انحنى عموده الفقري، فكنت أسنده بالوسائد… إلى أن أصبح طريح الفراش، لا يتكلم ولا يتحرك، ولا يُبدي أي ردّة فعل تجاه من حوله". وبسبب الانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي في غزة، وغياب الإمكانيات الطبية المتقدمة، وعدم توفر فحوصات الجينات والعديد من التحاليل اللازمة، قدّر الأطباء أن فتحي يعاني من "تآكل في الدماغ" كتشخيص أولي، وأقرّوا له تحويلة علاج عاجلة إلى الخارج، بقيت معلّقة بفعل استمرار إغلاق المعابر. ومع مرور الوقت، ازدادت حالته الصحية سوءًا؛ إذ يعاني من تشنجات متكررة، والتهابات حادة في الصدر، وميكروب في الدم، إضافة إلى اضطرابات خطيرة في ضغط الدم، حيث يهبط بشكل حاد يفقد معه الوعي، ثم يرتفع بصورة مفاجئة تتسبب في انتفاخات بجسده. ومنذ أكثر من شهرين، يرقد فتحي في المستشفى دون أي تحسن يُذكر. المأساة لم تتوقف عند هذا الحد؛ فعلى الرغم من إجراء فحوصات احترازية لابنتها دينا، وتأكيد الأطباء في البداية أنها سليمة، إلا أنها بعد تجاوزها العامين بأربعة أشهر بدأت تعاني من الأعراض نفسها التي أصابت شقيقها؛ فقدت القدرة على المشي والنطق، وتوقف نموها، ليقرّ الأطباء لها أيضًا تحويلة علاج إلى الخارج. وعاشت الأم فصولًا أخرى من المعاناة بين الخيمة والمستشفى. ففي فصل الصيف، كانت تضطر إلى شراء الثلج لمحاولة خفض حرارة جسد فتحي داخل خيمة النزوح. تقول:"قاسيت كثيرًا في الخيمة، إلى أن قررت خالتي استضافتي، لكنني اليوم مقيمة في المستشفى بعد تدهور حالته، وغير قادرة على متابعة حالة دينا التي أخشى أن تتدهور كحال شقيقها". داخل المستشفى، تواجه نفين كساب واقعًا أكثر قسوة؛ نقصًا حادًا في الأدوية، وعدم حدوث أي تحسن صحي، إلى جانب اضطرارها لشراء بعض العلاجات على نفقتها الخاصة، في ظل غياب أي مصدر دخل بعد استشهاد زوجها الذي كان يعمل بالمياومة. وتقول بأسى: "طفلاي بحاجة إلى غذاء صحي، حليب وفواكه، وأنا أحاول تدبير أمور الدواء والغذاء من أهل الخير". وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من ألف مريض في غزة توفوا منذ منتصف عام 2024 وهم ينتظرون الإجلاء للعلاج في الخارج، في ظل استمرار إغلاق العدو الإسرائيلي لمعابر القطاع. وبين أسرّة المستشفى وصمت الانتظار، تتشبث نفين كساب بما تبقّى من أمل، فيما يصارع طفلاها مرضًا غامضًا لا يرحم، في مكانٍ بات فيه المرض حكمًا مؤجلًا بالموت. قصة دينا وفتحي ليست استثناءً في غزة، لكنها تختصر وجع آلاف الأطفال الذين تُركوا لمصيرهم خلف المعابر المغلقة. وبين نداء أمٍّ مكسورة وقلبين صغيرين يذبلان، يبقى السؤال معلّقًا: إلى متى يُترك أطفال غزة يموتون بصمت؟
|
|








