إصابة واعتقال وحرمان من العلاج.. قصة الشاب "محمد عبيد" في غزةغزة - سبأ: في غزة، حيث تختلط النجاة بالمصادفة، لا يُقاس العمر بعدد السنوات بل بعدد المرات التي ينجو فيها الإنسان من الموت. هنا، يقف محمد مصلح عبيد، الشاب ذو الثمانية عشر عامًا، عند خطٍ رفيع بين الحياة والألم، يحمل في جسده آثار جراح لم تلتئم، وفي ذاكرته ليالٍ لا تنطفئ كوابيسها. لم يعد محمد يعدّ أيامه كما يفعل أقرانه، بل صار يقيس الزمن بعدد العمليات التي خضع لها، وبعدد المرات التي استيقظ فيها فزعًا من مشهدٍ لم يغادره منذ صباحٍ شتوي غيّر مسار حياته. في الثامن والعشرين من يناير 2024، اشتد القصف على منطقة الصناعة غرب مدينة غزة. حاول محمد الهروب بحثًا عن مكان آمن، لكن طائرة مسيّرة ألقت قنبلة أصابته إصابة بالغة، فسقط ينزف دون أن يتمكن المسعفون من الوصول إليه. وبعد ذلك، اعتقلته قوات العدو الإسرائيلي وهو جريح، ونُقل إلى مستشفى “سوروكا”، حيث بدأ فصلٌ آخر من المعاناة. يروي شقيقه أحمد عبيد لـ " فلسطين أون لاين"، أن التحقيق لم ينتظر توقف النزيف. يقول: إن محمد خضع للاستجواب وهو في حالة حرجة، وكان كل سؤال يترافق مع ضغطٍ على جرحه المفتوح. ويضيف أن الأسئلة لم تكن مرتبطة به، بل تكررت عليه استفسارات لم يملك لها جوابًا سوى الصمت والألم. أربعة أيام قضاها محمد بين النزيف والغيبوبة والتحقيق، قبل أن يُلقى في منطقة الزهراء دون علاج. هناك، أسعفه شبان لم يعرف أسماءهم، فيما كانت عائلته تبحث عنه بين المستشفيات ومراكز الإيواء. لاحقًا، وصل إلى مستشفى العودة في النصيرات، حيث تبيّن أن مستوى دمه انخفض إلى حدٍ خطير، فحُوّل إلى مستشفى شهداء الأقصى. مكث أيامًا في العناية المركزة وخضع لسلسلة عمليات لتنظيف الجروح وإزالة الشظايا. أصابت الشظايا وجهه وظهره ورجله ويده، وثُبّتت صفائح معدنية في يده اليسرى مع بتر بعض أصابعها. جسده، كما يصف شقيقه، تحوّل إلى خريطةٍ للألم. ورغم تجاوزه الخطر الأولي، لم تنته رحلة العلاج. يحتاج محمد إلى عمليات إضافية لزراعة العظم وربط الأوعية الدموية، لكن تدهور القطاع الصحي في غزة ونقص الإمكانات الطبية يحولان دون ذلك. حتى المسكنات والمضادات الحيوية بات الحصول عليها صعبًا ومكلفًا. بين التقارير الطبية، يحتفظ محمد بتحويلة للعلاج في الخارج. ومع تشغيل معبر رفح بشكل محدود، تعلّقت عائلته بأملٍ هش في أن يجد فرصة تخفف من أوجاعه وتمكّنه من استعادة جزء من حياته. غير أن الألم لا يقتصر على الجسد. فذكريات أيام التحقيق ما تزال تلاحقه كل ليلة. عندما يغمض عينيه، يعود إلى الغرفة ذاتها، إلى السؤال المتكرر، وإلى الإحساس ذاته بالوجع. النهار بالنسبة له محاولة للصمود، أما الليل فمواجهة مفتوحة مع ذاكرة لا تهدأ. يقف محمد اليوم عند عتبة انتظارٍ طويل؛ انتظار علاج قد يعيد ليده بعض قدرتها، وانتظار نومٍ بلا كوابيس، وانتظار فرصة للعودة إلى حلمٍ بسيط كان يبدأ من مقاعد الجامعة. وبين جرحٍ لم يلتئم وذاكرةٍ ترفض الغياب، تظل نجاته مؤجلة… لكنها، رغم كل شيء، ما تزال ممكنة.
|
|








