طهران تُعيد رسم المعادلة: كيف خرجت إيران منتصرة من المواجهة؟صنعاء - سبأ: أظهر الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق، الذي أعلن عنه، ليل الأحد، بين طهران وواشنطن لوقف الحرب، تفوقًا استراتيجيًا واضحًا وانتصارًا إيرانيًا بكل المقاييس، إذ لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق أيٍّ من الأهداف التي أعلنتها للحرب العدوانية، التي شنّتها بالتعاون مع الكيان الصهيوني ضد إيران. ولم يقتصر الأمر على مجرد صمود الجمهورية الإسلامية في مواجهة آلة حربية عسكرية متقدمة، بل تجاوزه إلى بروز إيران كلاعب دولي جديد ومؤثر لا يستهان به في ميزان القوى العالمي، حيث فرضت شروطها بقوة الدبلوماسية المدعومة بصلابة الموقف العسكري، وهو ما أعاد تموضعها على الخريطة الجيوسياسية بثقلٍ غير مسبوق. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى تدمير البنية التحتية النووية الإيرانية وإضعاف نفوذها الإقليمي وإسقاط نظامها السياسي، خرجت طهران من المعركة بمكاسب تكتيكية واستراتيجية تفوق ما خسرته، وهو ما يُبشّر بمرحلة جديدة في توازن القوى بالشرق الأوسط وما وراءه. لقد حققت إيران انتصارات كبيرة خلال الحرب، وهو ما حولها إلى قوة في معادلات الضغط الإقليمي والدولي، وذلك بفضل الرهان على القوة العسكرية المحلية، وتضحيات الشهداء الذين ارتقوا في مواجهة أعدائها، ودعم وصمود الشعب الإيراني، وحضوره المستمر في الساحات. ففي هذا السياق، أكد مقر خاتم الأنبياء المركزي التابع للجيش الإيراني أن الشعب الإيراني وقواته المسلحة، وبفضل العناية الإلهية، وتحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة، أثبتا بقوة من خلال فرض إرادتهما الإلهية والصلبة على الأعداء الأمريكيين والصهاينة الجبناء، بأنّه لا سبيل أمام العدو سوى الإقرار بالهزيمة والاستسلام أمام الشعب الإيراني. قاليباف: خطوة كبيرة نحو النصر النهائي وأكّد رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان)، محمد باقر قاليباف، أن بلاده خطت خطوة كبيرة نحو النصر النهائي، وذلك على ضوء الإعلان عن التوصل لاتفاق على مذكرة تفاهم مع أمريكا بشأن إنهاء العدوان على إيران. وقال قاليباف مخاطباً الشعب الإيراني، في تدوينة على منصة "اكس"، رصدتها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ): "بفضل صمودكم التاريخي وبسالة القوات المسلحة في مواجهة أولئك الذين سعوا إلى إزهاق أرواح هذا الشعب وتدمير هذا الوطن وإخضاعه، خطت إيران خطوة كبيرة نحو النصر النهائي". وتابع: "لقد أرادوا ذلك، لكنهم لم يتمكنوا"، مضيفاً "نحن صامدون، وفي النهاية ستنتصر إيراننا، بعون الله". من جانبه، أكّد نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، أن قوة إيران العسكرية هي التي أرغمت العدو على المجيء إلى طاولة المفاوضات. وقال غريب آبادي في تصريح أدلى به للتلفزيون الإيراني، "على الرغم من انعدام الثقة، فإن الإجراءات التي تتخذها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والالتزامات المحدودة التي قبلتها في المجالات ذات الصلة ستكون متسقة ومتناسبة مع تنفيذ التزامات الطرف الآخر". وأضاف، أن "مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها ليست ثمرة الجهود الدبلوماسية فحسب، بل جاءت أيضاً نتيجة الإنجازات العسكرية التي حققتها إيران"، مشيراً إلى "أنها تستند كذلك إلى تضحيات الشهداء الذين ارتقوا في مواجهة أعداء الجمهورية الإسلامية، وإلى صمود الشعب الإيراني وحضوره المستمر في الساحات دعماً للنظام والقوات المسلحة". وتابع أن "هذه التفاهمات تحققت أيضاً بفضل توجيهات قائد الثورة وجهود المسؤولين في البلاد". إيران تؤسس لمستقبل شعوب الأمة وفي ذات الإتجاه، أكدت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أن الانتصار الذي حققته إيران من خلال التفاهم الذي توصلت إليه مع أمريكا؛ فرض على الأعداء الاستجابة لتطلعات الشعب الإيراني في نيل حقوقه المشروعة، ويؤسس لمستقبل جديد لشعوب الأمة. وقالت الحركة في بيان، أطلعت عليه وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، "نبارك لإيران، شعباً وحكومة وقيادة، الإنجاز الكبير الذي حققته بفرض وقف إطلاق النار ولجم الاعتداء الأمريكي والصهيوني الغاشم على الجمهورية الإسلامية". من ناحيتها، قالت قناة العالم الإيرانية، إنه "في لحظة فارقة من تاريخ الصراع، يأتي التفاهم لإنهاء الحرب ليجسد تتويجاً لصمودٍ أسطوري فرضته إرادة الميدان". واعتبرت في تحليل لها، أن "هذا التفاهم، الذي يمثل وثيقة قوة إيرانية بامتياز بعد فشل العدو في تحقيق أهدافه، لا يعني نهاية المطاف، بل يؤسس لمرحلة جديدة من الصراع السياسي المحفوف باحتمالات المواجهة العسكرية، وسط “عدم ثقة مطلق” بوعود الخصوم، ومراهنة ثابتة على أوراق القوة الوطنية". وأكّدت أن "التوصل إلى تفاهم لإنهاء الحرب ليس مجرد إجراء دبلوماسي، بل هو اعتراف ضمني بهزيمة العدو في الميدان. لقد أثبت البند الأول من هذا التفاهم انتصار الاستراتيجية الإيرانية في “توحيد الساحات” وتكامل جبهة المقاومة، مما جعل من إنهاء الحرب في لبنان جزءاً لا يتجزأ من أي تفاهم شامل". حدود القوة الأمريكية وفي تقرير لها، نقلت وكالة رويترز عن مصادر دبلوماسية خليجية ، أن المنطقة خرجت من واحدة من أخطر أزماتها منذ عقود، مشيرة إلى أن إيران خرجت بقدر أكبر من الثقل السياسي بينما اهتزت ثقة دول الخليج الفارسي في الحماية الأمريكية بشدة. ونقلت رويترز عن المسؤول والمفاوض الأمريكي السابق آرون ديفيد ميلر ، قوله إن " ملحمة الغضب' كانت كارثة ملحمية"، في إشارة إلى العدوان الأمريكية الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير . وقالت الوكالة إن "الصدمة الأشد تُحس في دول الخليج، حيث تعرض الاستقرار الذي كان وراء نمو اقتصادي على مدى عقود لتحدي شديد. وبهذا المقياس، فإنها هي الخاسر الرئيسي في الحرب، إذ وقفت متفرجة على قرارات أعادت تشكيل مشهدها الأمني، وتُركت الآن تتحمل تداعياتها". وأضافت المصادر الخليجية، أن "الاتفاق بدأ بالفعل في إعادة تشكيل التفكير الاستراتيجي الخليجي، مما أدى إلى تآكل الثقة في الحماية الأمريكية وترسيخ مكانة إيران قوة إقليمية دائمة وتسريع التحول نحو التسوية بدلا من المواجهة". أما وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية، فقد اعتبرت أن طهران تمكنت، بعد هذه الحرب، من الحصول على أداة ضغط جديدة في المعادلات الإقليمية والدولية. وأشارت، في تقرير لها رداً على الاتفاق الإيراني الأمريكي، إلى أن "اتفاق إنهاء الحرب يعيد المنطقة إلى ظروف مشابهة لما كانت عليه قبل بدء الاشتباكات. وإيران، بقدرتها على التأثير في حركة السفن عبر مضيق هرمز، أصبحت تمتلك أداة جديدة لممارسة الضغط في المفاوضات". خبراء اسرائيليون: وهم النصر الإسرائيلي تبدد واعتبرت الأوساط الصهيونية تفاهم إيران وأمريكا بمثابة "هزيمة لإسرائيل"، مما بدد وهم انتصار هذا الكيان. فبعد الإعلان عن إتمام التفاهم بين إيران وأمريكا لإنهاء الحرب في جميع الجبهات بما في ذلك لبنان، وصفت الأوساط السياسية والأمنية في الكيان الغاصب هذا الاتفاق بأنه "صدمة استراتيجية لإسرائيل". وحللت الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية البارزة في الكيان الصهيوني أبعاد هذا الاتفاق، وكشفت عن الهوة العميقة بين "أوهام إسرائيل" والحقائق السياسية والميدانية المفروضة على هذا الكيان. وفي هذا السياق، قال الصحفي الصهيوني يارون أبراهام ، إن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى أصدروا تحذيرات جدية من أن هذا الاتفاق "يهدد المصالح الأمنية الحيوية لإسرائيل"، وأكد أن واشنطن استسلمت بالكامل للمطالب الإيرانية. وشدد على أن "أمريكا قبلت الشروط الإيرانية الرئيسية في هذا الاتفاق، وأن التهديد العسكري ضد إيران قد زال أساساً، وأكبر مخاوف محيطي نتنياهو هي أن يفعل ترامب بنا ما فعله أوباما". أمريكا عادت إلى نقطة الصفر من جانبهم، رحب المشرعون الديمقراطيون في الكونغرس الأمريكي، والذين كان معظمهم من معارضي الحرب على إيران، بالتفاهم الذي تم التوصل إليه لإنهاء النزاع، مؤكدين أن "أمريكا بعد حرب غير ضرورية ومدمرة، عادت عملياً إلى نقطة البداية". وقال السيناتور كريس كونز من ولاية ديلاوير، إن هذا الاتفاق يضع الأمور على "المسار الصحيح"، لكن لا تزال هناك عدة أسئلة دون إجابة. كما حذر من أن التفسيرات المختلفة لما تم الاتفاق عليه قد تحمل مخاطر. وكتب كونز على منصة "إكس": "على الرغم من أن وقف إطلاق النار والمفاوضات يُعتبران تطوراً إيجابياً، إلا أن هذه الحرب الانتقائية حتى الآن لم تجعل القوات المسلحة والمواطنين الأمريكيين أكثر أماناً، ولا يزال العديد من الأسئلة الرئيسية دون إجابة أو معالجة". أما السيناتور كريس ميرفي، عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، فقال إن هذا الاتفاق يمثل "استسلاماً أمريكياً لإيران"، لكن يتعين على أمريكا أن "تكون سعيدة به، لأن كل يوم تستمر فيه هذه الحرب المجنونة وغير القانونية يضعفنا أكثر. المزيد من الحرب لا يؤدي إلا إلى تفاقم الأوضاع". وفي تحليله للأوضاع، قال الكاتب الفلسطيني، الدكتور محسن صالح ، "تقول الحكمة "الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك." الجمهورية الإسلامية في إيران تلقت ضربات قوية جدا خرجت منها مرفوعة الرأس عالية الجبين ومرهوبة الجانب. ردت بقوة على الجبهات المعادية. في مضيق هرمز أصبحت الاقوى، على الجبهة اللبنانية المقاومة هددت ونفذت اسنادا للضاحية الأبية. على جبهة العراق ردت على الذين وسوس لهم الشيطان". وأضاف صالح، في مقابلة حصرية مع وكالة مهر للأنباء، أنه " أمام تحذيرات الجمهورية الاسلامية تراجع ترامب واتصل بنتنياهو كي يوقف عدوانه على بيروت والضاحية. وفهم رسالة الجمهورية بأن وقف الحرب يجب أن يشمل الجبهات كافة، بما فيها لبنان.. وقف العدوان على الجنوب قادم. إيران الثورة لن تترك لبنان وجنوبه وحيدا. فانتصارها انتصار لكل الجبهات، لأن الدم واحد، والثقافة واحدة والمصير واحد...كالجسد الواحد". انتصار ساحق بالمعنى الاستراتيجي من ناحيتها، قالت الكاتبة طوفان الجنيد، إن " الانتصار المبدئي في الحروب غير المتكافئة يتحقق عندما يعجز الخصم الأقوى عن تحقيق أهدافه الوجودية، وهو ما أنجزته طهران في عدة مسارات". وأكّدت في مقال نشره موقع قناة العالم، أن "الغاية الأمريكية المعلنة من الحرب العدوانية، والعقوبات الاقتصادية الخانقة، والمحاصرة السياسية، كانت هي القضاء على النظام في طهران، واستبداله بنظام موالٍ لها وللصهاينة، أو إجباره على القدوم إلى طاولة المفاوضات مجردًا من عناصر قوته". وأضافت "وهنا نستطيع القول إن الثبات والصمود الإيراني، مع وحدة الساحات في وجه هذه العاصفة، يمثل انتصارًا مبدئيًا؛ لأنه حافظ على الوجود السياسي، والقدرة على اتخاذ القرار المستقل". واعتبرت الجنيد أنه "طبقًا للقاعدة العسكرية الشهيرة: «القوى غير التقليدية تنتصر إذا لم تُهزم»، فإن بقاء محور المقاومة متماسكًا، وتطوره اللوجستي والعسكري رغم الحصار، يعد دليلًا قاطعًا على فشل مشروع العزل والتفكيك الأمريكي". ووفق الكاتبة، فقد نجحت طهران في تحويل أدوات القوة الأمريكية التقليدية، كحاملات الطائرات والقواعد العسكرية، من أدوات تهديد وهيبة، إلى أهداف محتملة ومأزومة تحتاج هي نفسها إلى الحماية. وأكّدت أن "أمريكا لم تنتصر لأنها عجزت عن إخضاع الخصم، وإيران انتصرت انتصارًا ساحقًا لأنها صاغت معادلة إقليمية جديدة، شلّت فيها يد القوة العظمى، وحيّدت تفوقها التكنولوجي".
|
|








