غزة تحت حصار الدواء.. مرضى ينتظرون النجاة على حافة الحياة


https://sabanews.info/ar/news.htm

وكاله الانباء اليمنيه سبأ | سبأنت
غزة تحت حصار الدواء.. مرضى ينتظرون النجاة على حافة الحياة
[14/ يونيو/2026]

غزة - سبأ:

لم يعد الخوف الأكبر لدى محمد زيارة من المرض الذي ينهش جسده منذ سنوات، ولا من الساعات الطويلة التي يقضيها موصولًا بجهاز غسيل الكلى، بل من سؤال واحد يلاحقه كل يوم: ماذا لو اختفى الدواء؟

في غرفة غسيل الكلى بمستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، يجلس الرجل البالغ من العمر 54 عامًا متكئًا على أمل يتضاءل مع كل يوم يمر. تمتد الأنابيب من ذراعه إلى جهاز يحافظ على حياته ثلاث مرات أسبوعيًا، بينما يواجه مع آلاف المرضى أزمة دواء خانقة تهدد بتحويل الأمراض المزمنة إلى أحكام موت مؤجلة.

يقول زيارة بصوت أنهكه التعب لـ صحيفة (فلسطين): "لم أعد أخاف من الغسيل نفسه، بل من أن يتوقف الدواء".

فهو يحتاج إلى أدوية منتظمة لضبط ضغط الدم وتقليل السموم في جسده، إلى جانب مكملات ومضادات حيوية أصبحت نادرة أو مفقودة في كثير من الأحيان.

وتعيش غزة واحدة من أسوأ أزماتها الصحية، مع استمرار النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، في ظل القيود المفروضة على إدخال الإمدادات الصحية إلى القطاع، رغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على وقف إطلاق النار.

وتحذر وزارة الصحة من أن عشرات الأصناف الأساسية نفدت بالكامل، فيما يقترب مخزون مئات الأصناف الأخرى من الصفر، ما يهدد حياة آلاف المرضى، خصوصًا المصابين بالسرطان والفشل الكلوي والأمراض المزمنة.

لم تعد الأزمة مجرد أرقام في سجلات المخازن الطبية، بل أصبحت واقعًا يوميًا داخل غرف العمليات وأقسام الطوارئ والعيادات التخصصية، حيث يتأخر العلاج أو يتوقف كليًا، وتتحول رحلة المرض إلى معركة مفتوحة مع الوقت.

وخلال الأشهر الأخيرة، بدأ محمد زيارة يلمس آثار هذه الأزمة مباشرة. بعض الأدوية اختفت من المستشفى، وأخرى تُصرف بكميات أقل من الحاجة الفعلية. يقول بحسرة: "في كل مرة أذهب إلى الصيدلية يقولون لي لا يوجد. أخرج وأنا لا أعرف ماذا سيحدث لي غدًا".

وتؤكد زوجته أن حالته الصحية تتراجع كلما انقطع عن العلاج، مضيفة: "نراه يضعف أمامنا، يتورم جسده ويشعر بدوخة مستمرة. نخشى أن يأتي يوم لا يعود فيه جهاز الغسيل كافيًا لإنقاذه".

وعلى بعد كيلومترات قليلة، يجلس المسن محمد جلال (71 عامًا) قرب نافذة منزله في حي النصر غرب مدينة غزة، محاولًا التقاط ما تبقى من الضوء. لكن العالم من حوله بات يتلاشى شيئًا فشيئًا.

يعاني جلال من مرض متقدم في قرنية العين يحتاج إلى علاج دوائي مستمر لإبطاء فقدان البصر، إلا أن الدواء الذي كان يمثل أمله الأخير أصبح مفقودًا منذ أشهر.
يقول: "كنت أرى العالم بوضوح قبل عامين، أما اليوم فأراه كأنه يختفي تدريجيًا".

ويضيف بأسى: "أخبرني الطبيب أن الدواء هو الشيء الوحيد القادر على إيقاف التدهور، لكن أين هو الدواء؟".

يرافقه ابنه في رحلة بحث يومية بين الصيدليات العامة والخاصة، لكن الإجابة لا تتغير: لا يوجد. ومع مرور الوقت، تراجعت قدرته على التمييز بين الضوء والظل، وأصبح يعتمد على أسرته في أبسط تفاصيل حياته اليومية.

ويقول نجله: "نخشى أن يفقد بصره بالكامل. نبحث عن العلاج في كل مكان، لكن المخزون شبه معدوم".

وبين مريض ينتظر جلسة غسيل تبقيه على قيد الحياة، وآخر يتمسك بما تبقى من نور عينيه، تتجسد مأساة آلاف المرضى في غزة الذين يخوضون معركة مزدوجة؛ ضد المرض من جهة، وضد غياب الدواء من جهة أخرى.

وفي قطاع أنهكته الحرب والحصار، لم يعد المرضى يطالبون بمعجزات أو علاجات متطورة، بل بحقهم الأساسي في الدواء. وبينما تتناقص الأرصدة الطبية يومًا بعد آخر، يبقى السؤال معلقًا فوق أسرّة المرضى وغرف المستشفيات: كم من الأرواح يمكنها الصمود قبل أن ينفد الأمل كما نفد الدواء؟